جلال الدين السيوطي

371

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة

سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ، وتفقّه بعلماء مصر ، وأفتى ودرّس ، وانتفع به جماعة . وتولّى عدّة مدارس ، ورشّح لقضاء الديار المصرية . مات في المحرّم سنة ستّ وخمسين وثمانمائة . 200 - الشيخ جلال الدين المحليّ محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد . ولد بمصر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ، واشتغل وبرع في الفنون ؛ فقها وكلاما وأصولا ونحوا ومنطقا وغيرها . وأخذ عن البدر محمود الأقصرائي والبرهان البيجوريّ والشمس البساطيّ والعلاء البخاريّ وغيرهم . وكان علّامة آية في الذّكاء والفهم ؛ كان بعض أهل عصره يقول فيه : إنّ ذهنه يثقب الماس . وكان يقول عن نفسه : أنا فهمي لا يقبل الخطأ ؛ ولم يكن يقدر على الحفظ ، وحفظ كرّاسا من بعض الكتب ، فامتلأ بدنه حرارة . وكان غرّة هذا العصر في سلوك طريق السّلف ، على قدم من الصّلاح والورع والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكّام ، ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم ، ولا يأذن لهم بالدّخول عليه ؛ وكان عظيم الحدّة جدّا ، لا يراعي أحدا في القول ، يوصي « 1 » في عقود المجالس على قضاة القضاة وغيرهم ؛ وهم يخضعون له ، ويهابونه ويرجعون إليه ؛ وظهرت له كرامات كثيرة ، وعرض عليه القضاء الأكبر فامتنع . وولي تدريس الفقه بالمؤيّدية والبرقوقيّة ، وقرأ عليه جماعة ، وكان قليل الإقراء ، يغلب عليه الملل والسآمة . وكان سمع الحديث من الشّرف بن الكويك ، وحدّث . وكان متقشّفا في ملبوسه ومركوبه ، ويتكسّب بالتجارة ، وألّف كتبا تشدّ إليها الرّحال ؛ في غاية الاختصار والتحرير والتنقيح ، وسلامة « 2 » العبارة وحسن المزج ، والحلّ بدفع الإيراد ؛ وقد أقبل عليها الناس وتلقّوها بالقبول ، وتداولوها ؛ منها شرح جمع الجوامع في الأصول ، وشرح بردة المديح ، ومناسك ؛ وكتاب في الجهاد ؛ ومنها أشياء لم تكمل ؛ كشرح القواعد لابن هشام ، وشرح التسهيل ؛ كتب منه قليلا جدّا ، وحاشية على شرح جامع المختصرات ، وحاشية على جواهر الإسنويّ ، وشرح الشمسيّة في المنطق ، ومختصر التنبيه ، كتب منه ورقة . وأجلّ كتبه التي لم تكمل تفسير القرآن ، كتب منه من أوّل الكهف إلى آخر القرآن في أربعة عشر كراسا ؛ في قطع نصف البلديّ ، وهو ممزوج محرّر في غاية الحسن ؛ وكتب على الفاتحة وآيات يسيرة من البقرة ، وقد أكملته بتكملة على نمطه من أوّل البقرة إلى آخر الإسراء . توفّي في أوّل يوم من سنة أربع وستّين وثمانمائة « 3 » .

--> ( 1 ) في شذرات الذهب 7 / 304 : يؤسى . ( 2 ) في شذرات الذهب 7 / 304 : سلاسة . ( 3 ) هذا النص بحرفيته في شذرات الذهب : 7 / 303 - 304 .